وفاء سعداوي
رغم ضراوة التغريب ومعاول الهدم العاتية.. ظلت الأسرة العربية المسلمة على مر العصور الحصن الحصين الذي صمد أمام جميع التيارات التي حاولت غزو المجتمع المسلم؛ فحافظت على قيمها الإسلامية وتقاليدها العربية الأصيلة ..لكن الأسرة العربية اليوم تعاني بعض الثقوب في هذا الدرع الواقي، فظهرت بعض التصدعات التي تهدد هذا الحصن العظيم.
حول أسباب تلك التصدعات التي تعاني منها الأسرة كان لـ(الإسلام اليوم) هذا الحوار مع الدكتورة نادية رجب السيد - رئيس قسم الإرشاد والتوجيه الأسري بمركز معوقات الطفولة بجامعة الأزهر؛ لنتعرف على أسباب انهيار الأسرة وتراجع دورها في المجتمع.
تمرّد المرأة
في رأيكم ما أسباب تفاقم المشاكل الزوجيّة، وازدياد نسبة الطلاق في مجتمعاتنا العربية؟
خروج المرأة للعمل واستقلالها الاقتصادي وراء معظم المشاكل الزوجية؛ فقد كانت المرأة تعتمد على زوجها اقتصادياً فتتأقلم مع المشاكل وتصبر لتستمر حياتها معه، أما اليوم فالمرأة كل أملها أن تبني مستقبلها المادي هذا بالإضافة إلى موجة القوانين التغريبية الجديدة للمرأة، والتي صدرت في الكثير من البلاد العربية.. خاصة قانون الخلع والذي أدّى إلى تمرّد المرأة العربية. فأنا لا أوافق على الخلع بهذا الإطلاق؛ إذ ترتب عليه مشاكل كثيرة، بالإضافة إلى أن الحدة في الآراء بين الأزواج فاقمت من المشاكل؛ فلا يحاول أحد الزوجين أن يقترب من الآخر ويتفاهم معه، وعدم التكافؤ بصفة عامة سواء في اختلاف المستوى الاجتماعي بين الزوجين أو اختلاف المستوى التعليمي، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية المترتبة على خروج المرأة للعمل؛ فلم يعد هناك ثقة وشعور بالأمان بين الزوجين خاصة المرأة .. فالمرأة أصبح كل أملها تأمين نفسها اقتصادياً بعد أن كان زوجها كل حياتها، والزوج في نفس الوقت يرى أن من حقه أن تساهم زوجته في نفقات البيت، بل قد يتركها تتحمل المسؤولية كلها أو أغلبها وحدها، كذلك الطموحات المادية؛ فالكماليات أصبحت أساسيات في حياة كل أسرة اليوم.
تغيير الأسرة العربية
طرأت كثير من التغيّرات على الأسرة العربية بوجه عام في الآونة الأخيرة، فماذا وراء هذه التغيّرات؟
هذه التغيّرات منها الإيجابي ومنها السلبي، وقد ارتبطت هذه التغيّرات بظروف المجتمعات الاجتماعية والدينية والسياسية، وقد نتج عنها تغيّرات بنائية ووظيفية في الأسرة؛ فالتحضّر والتصنيع والتغيير التكنولوجي وانتشار التعليم وخروج المرأة إلى العمل، قد أدّت إلى تغيّرات في تركيب القرابة أثرت على حياة الأسرة، وهناك اتجاه نحو نمط الأسرة الزوجية (المكونة من الزوجين والأطفال فقط) كنتيجة للتطبع، وتصبح الأسرة الممتدة أو المركبة أقل أهمية في الاقتصاد الصناعي، وتشجع الخصائص الجغرافية والحراك الاجتماعي للمجتمع الصناعي نفسه على النمط الزواجي الواحدي، كما تطورت وظائف الأسرة من الأوسع إلى الأضيق.
وما أهم المشكلات التي أفرزتها التطورات المعاصرة؟
أولى هذه المشكلات أن هذه التغيّرات أحدثت هزة في كيان الأسرة وتماسكها؛ إذ إن المدنية صاحبها تفكك الرباط الاقتصادي الذي كان يربط الأسرة، وقد أدّى ذلك التغيّر في الأساس الاقتصادي إلى تفكّك الأسرة نتج عنها بُعد أفرادها عن بعضهم البعض وانفصالهم، ومن ناحية أخرى فقد أدّى اتساع نطاق التعليم وانتشار التصنيع إلى انتشار المدنية وارتفاع مستوى الدخل وزيادة الضغوط الاقتصادية، كما أصبحنا في حاجة إلى أنماط جديدة لرعاية الطفل وخاصة المعوق.
تراجع الأسرة
هل هناك أسباب ترجع إلى الأسرة ذاتها؟
قد تكون الأسرة متصدعة نفسياً؛ لأن العلاقات بين أعضائها غيرُ مرضية، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة منها: انعدام الرعاية والعاطفة، أو الإهمال أو القسوة أو التحكم، وقد تؤدي القيم غير المتماثلة بين الزوجين إلى ظهور الصراع أو التوتر، وليس المقصود هنا مجرد الخلافات اليومية، ولكن المقصود انعدام الوفاق أو الوئام بين الزوجين مما ينعكس بدوره على الأطفال، وقد يؤدي عدم التكيّف بين الزوجين إلى توتر الزوجة الأم، وجعلها عصبية مما يكون له تأثير سيئ على الأطفال.
عنف الأطفال
نلاحظ أيضاً ميلاً كبيراً من الأطفال إلى العنف فما سبب ذلك؟
تُعدّ ظاهرة العنف عرضاً مرضياً يجب معرفة دوافعها الكافية في شخصية الفرد وكذلك بواعثها الاجتماعية، والعنف يرجع إلى أسباب متعددة، فقد يرجع عند بعض الأشخاص إلى تكوين عصبي حاد، أو بسبب شدة الخوف، ويرجع هذا السلوك إلى سيطرة الروح العدوانية على الشخص، والعنف لا يعني استخدام القوة فقط، ولكن يشتمل على تصرفات كثيرة منها الاعتداء اللفظي، ويرجع ظهور العنف أيضاً إلى ظاهرة النمو الحضاري وتفكك العلاقات الاجتماعية، والتي أدّت إلى ضعف دور الأسرة، حيث انشغل أرباب الأسر عن ممارسة السلطة الأبوية على الأبناء فأدّى ذلك إلى انحراف الأبناء وارتكابهم للعنف، وقد تؤدي الحضارة والمدنية إلى اكتساب الأطفال الإناث العنف حيث ترفع المدنية من مستوى الأسرة، وتزيد من مغريات الحياة، وتضاعف احتياجات الفرد، وعندما لا تحصل الفتاة على متطلباتها يؤثر ذلك على حالتها النفسية والعصبية وتتوتر وتتسم بالعنف تعبيراً عن الضيق الذي بداخلها.
ومن أسباب انتشار ظاهرة العنف بين الأطفال ألعاب (الفيديو جيم) التي في مجملها عبارة عن ضرب وقتل وعنف، فلابد بد من مراقبة برامج الأطفال وألعابهم.
وماذا عن تمرّد الأولاد على البيت والمدرسة؟
وراءه أيضاً كل ما سبق من أسباب، فقد يظهر أثر هذا الاضطراب في التنشئة، في صورة مشاكل عضوية والسبب الأساس هو نفسي كاضطراب الانتباه، وعدم النطق الصحيح، واللامبالاة وتأخر المشي والكلام، ونقص بعض الحروف، وزيادة العرق بطريقة ملحوظة في مواقف، والنسيان وعدم التركيز وضعف المستوى الدراسي والانطوائية وكراهية المدرسة والحركة الزائدة، وغيرها من الأعراض المرضية.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية